أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
694
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ يحيى بن يعمر - ورويت عن نافع - « وكتبه ورسله » بإسكان العين فيهما . وروي عن الحسن وأبي عمرو تسكين سين « رسله » . قوله : لا نُفَرِّقُ هذه الجملة منصوبة بقول محذوف تقديره : يقولون لا نفرّق ، ويجوز أن يكون التقدير : يقول ، يعني يجوز أن يراعى لفظ « كل » تارة ومعناها أخرى في ذلك القول المقدر ، فمن قدّر « يقولون » راعى معناها ، ومن قدّر « يقول » راعى لفظها ، وهذا القول المضمر في محلّ نصب على الحال ويجوز أن يكون في محلّ رفع لأنه خبر بعد خبر ، قاله الحوفي . والعامّة على « لا نفرّق » بنون الجمع . وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة « 1 » ويعقوب ، ورويت عن أبي عمرو أيضا : « لا يفرّق » بياء الغيبة حملا على لفظ « كل » . وروى هارون « 2 » أن في مصحف عبد اللّه « لا يفرّقون » بالجمع حملا على معنى « كل » ، وعلى هاتين القراءتين فلا حاجة إلى إضمار قول ، بل الجملة المنفية بنفسها : إمّا في محلّ نصب على الحال ، وإمّا في محلّ رفع خبرا ثانيا كما تقدّم في ذلك القول المضمر . قوله : بَيْنَ أَحَدٍ متعلق بالتفريق ، وأضيف « بين » إلى أحد وهو مفرد ، وإن كان يقتضي إضافته إلى متعدد نحو : « بين الزيدين » أو « بين زيد وعمرو » ، ولا يجوز « بين زيد » ويسكت : إمّا لأنّ « أحدا » في معنى العموم وهو « أحد » الذي لا يستعمل إلا في الجحد ويراد به العموم ، فكأنه قيل : لا نفرّق بين الجميع من الرسل . قال الزمخشري : « كقوله : فما منكم من أحد عنه حاجزين » ، ولذلك دخل عليه « بين » وقال الواحدي : « وبين » تقتضي شيئين فصاعدا ، وإنما جاز ذلك مع « أحد » وهو واحد في اللفظ ، لأنّ « أحدا » يجوز أن يؤدّى عن الجميع ، قال اللّه تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 3 » وفي الحديث : « ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم » « 4 » يعني فوصفه بالجمع ، لأنّ المراد به جمع . قال : « وإنّما جاز ذلك لأن « أحدا » ليس كرجل يجوز أن يثنّى ويجمع ، وقولك : « ما يفعل هذا أحد » تريد ما يفعله الناس كلّهم ، فلمّا كان « أحد » يؤدّى عن الجميع جاز أن يستعمل معه لفظ « بين » وإن كان لا يجوز أن تقول : « لا نفرّق بين رجل منهم » . قلت : وقد ردّ بعضهم هذا التأويل فقال : « وقيل إنّ « أحدا » بمعنى جميع ، والتقدير : بين جميع رسله » ويبعد عندي هذا التقدير ، لأنه لا ينافي كونهم مفرّقين بين بعض الرسل ، والمقصود بالنفي هو هذا ؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرّقون بين كلّ الرسل بل البعض . وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فثبت أنّ التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرّق بين أحد من رسله وبين غيره في النبوة ، وهذا وإن كان في نفسه صحيحا إلا أن القائلين بكون « أحد » بمعنى جميع ، وإنما يريدون في العموم المصحّح لإضافة « بين » إليه ، ولذلك ينظّرونه بقوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، وبقوله : 1150 - إذا أمور النّاس ديكت دوكا * لا يرهبون أدا رأوكا « 5 »
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير ( 10 / 32 ) . ( 2 ) هارون بن موسى العتكي روى عنه علي بن نصر مات قبل المائتين غاية النهاية ( 2 / 348 ) . ( 3 ) سورة الحاقة ، آية ( 47 ) . ( 4 ) رواه الترمذي في تفسير سورة الأعراف ، وابن حنبل ( 2 / 252 ) ، والطبري ( 10 / 32 ) . ( 5 ) البيت لرؤبة وهو من شواهد البحر ( 2 / 365 ) ، القرطبي ( 3 / 429 ) .